ابن عجيبة
219
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والرشوة ، والربا ، وغير ذلك مما نهى الشارع عنه . ولا يدخل في ذلك التمائم والعزائم إذا كان بالقرآن أو السنة وغلب الشفاء ، وكذلك لا يدخل أيضا الغبن ، إذا كان البائع عالما بالمبيع . أو وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ بأن تنفقوها في الملاهي والزنا والشرب واللواط ، وغير ذلك من المحرمات ، ولا تُدْلُوا أي : تتوسلوا بها ، أي : بدفعها إِلَى الْحُكَّامِ رشوة لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بأن يحكم لكم بها القاضي ، تأخذونها متلبسين بِالْإِثْمِ أي : بالمعصية وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنها لغيركم ؛ فإنّ حكم الحاكم لا يحلّ حراما . وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إنّما أنا بشر مثلكم ، ولعلّ بعضكم أن يكون الحن بحجّته من بعض فأقضى له ، فمن قضيت له بشئ من مال أخيه فإنّما أقطع له قطعة من النار » . الإشارة : الباطل كلّ ما سوى الحق ، فكل من كان يأخذ من يد الخلق ولا يشاهد فيهم الحق فإنما يأخذ أموال الناس بالباطل . قال في الحكم : « لا تمدّن يديك إلى الأخذ من الخلائق إلا أن ترى أن المعطى فيهم مولاك ، فإذا كنت كذلك فخذ ما وافقك العلم » . ويحتاج العامل بهذا إلى عسة « 1 » كبيرة ، وشهود قوى ، حتى يفنى عن نظره مشاهدة الخلق في شهود الملك الحق . وكان بعضهم يطلب من هذا وصفه فيعطى للفقير العطاء ، ويقول : خذ ، لا لك ، فلا يسمع من أحد شيئا ، حتى أعطى لبعض الفقراء ، وقال : خذ ، لا لك ، فقال : أقبض لا منك . ه . قلت : الوصول إلى الحكام على شأن الدنيا أو للانتصار للنفس حرام في طريق الخصوص ، بل يصبر حتى يحكم اللّه بينه وبين خصمه ، وهو خير الحاكمين ، فإن اضطرّ إلى شئ ولم يجد بدا منه فليوكّل ، وباللّه التوفيق . ولما أراد الحق تعالى أن يتكلم على أحكام الحج ، قدّم الكلام على الهلال ؛ لأنه معتبر في الحج ، أداء وقضاء ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 189 ] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 189 ) قلت : الذي سأله معاذ بن جبل وثعلبة بن غنمة « 2 » ، فقالا : يا رسول اللّه : ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط ، ثم لا يزال يزيد حتى يستوى ، ثم لا يزال ينقص حتى يرجع كالخيط ؟ فقال الحق جل جلاله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ
--> ( 1 ) أي : اجتهاد وجد ، من عسّ يعس : إذا طلب . ( 2 ) في الأصول ( غنم ) ، والصواب : غنمة ، كما في أسد الغابة ، والإصابة .